السيد نعمة الله الجزائري
266
الأنوار النعمانية
الفائدة الرابعة عشر في ترتيب العلوم بالنظر إلى المتعلم ، إعلم أنه لكل علم من هذه العلوم مرتبة من التعلم لا بد لطالبه من مراعاتها لئلا يضيع سعيه وليصل إلى بغيته بسرعة ، وكم قد رأينا طلابا للعلم سنين كثيرة لم يحصلوا منه إلا القليل ، وآخرين حصلوا منه كثيرا في مدة قليلة بسبب مراعاة ترتيبه ، فينبغي أن يشتغل في أول أمره بحفظ كتاب اللّه تعالى وتجويده على الوجه المعتبر ليكون مفتاحا صالحا ومعينا ناجحا فإذا فرغ منه اشتغل بتعلم العلوم العربية فإنها أول آلات الفهم وأعظم أسباب العلم الشرعي ، فيقرأ أولا علم التصريف ويتدرج في كتبه من الأسهل إلى الأصعب حتى يتقنه ويحيط به علما ، ثم ينتقل إلى النحو فيشتغل فيه على هذا النهج ويزيد فيه والجد بالحفظ ؛ ثم ينتقل منه إلى بقية العلوم العربية ، فإذا فرغ منها أجمع اشتغل بالمنطق وحقق مقاصده على النمط الأوسع ولا يبالغ فيه مبالغته في غيره لأن المقصود منه يحصل بدونه . وحدثني جماعة من الثقاة أن السيد المحقق السيد صاحب المدارك وخاله الشيخ الأجل الشيخ حسن بن الشهيد الثاني ره كانا يقرءان في النجف الأشرف عند الزاهد الورع المولى أحمد الأردبيلي فقراء عليه من شرح الشمسية ما يتوقف عليه الإجتهاد من مباحث الألفاظ وبعض أحوال القضايا والقياسات والظاهر أنه لا يزيد على عشرة دروس وقرءا من شرح مختصر بن الحاجب للعضدي ما يتوقف عليه أيضا الاجتهاد وهي دروس معدودة ، وكان الجماعة الذين يقرأون عند المولى الأردبيلي يهزؤن بهما على هذا النمط من القراءة ، فقال لهم المولى لا تهزؤا بهما فعن قليل يصلون إلى درجة الإجتهاد وأحتاج انا إلى أن آخذ تصديق اجتهادي عنهم « 1 » فكان الحال كما قال ، فإنهم بلغوا رتبة التصنيف والإجتهاد في مدة ثمان سنين ، ثم إذا فرغ من المنطق انتقل إلى علم الكلام ويتدرج فيه كذلك ، ثم ينتقل منه إلى أصول الفقه متدرجا في كتبه ومباحثه وهذا العلم أولى بالعلوم تحريرا فلا يقتصر منه على القليل فبقدر ما تحقّقه يتحقّق عنده المباحث الفقهية ؛ ثمّ ينتقل منه إلى علم دراية الحديث فيطالعه ويحيط بقواعده وليس هو من العلوم الدقيقة وانّما هو من مصطلحات مدونة وفوائد مجموعة ، فإذا وقف على مقاصده انتقل إلى قراءة الحديث بالرواية والتفسير والبحث والتصحيح على حسب ما يقتضيه الحال ويسعه الوقت ، ولا أقل من أصل منه يشتمل على أبواب الفقه وأحاديثه . وكان شيخنا المعاصر أدام اللّه عزه يقول يكفي من الأصول الأربعة كتاب التهذيب ثم ينتقل منه إلى البحث عن الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام الشرعية فقد أفردها العلماء رضوان اللّه
--> ( 1 ) هذا الكلام من المحقق الأردبيلي ره من باب التواضع .